عصام عيد فهمي أبو غربية

294

أصول النحو عند السيوطي بين النظرية والتطبيق

تكون واهية ومتمحلة ، واستدلالهم على ذلك بأنها ليست كالعلل الحقيقية في أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ويرد بأن ذلك بعيد عن الحق ؛ لأن الصيغ التي نستعملها كالصفة المشبهة وأفعل التفضيل وغيرهما من الصيغ لا نستعملها اختراعا وابتكارا وإنما على وجه الاقتداء والاتباع ؛ فكلها أو بعضها من وضع اللّه . والحق أن النحويين قد اهتموا بالعلة اهتماما بالغا ، وقد سبق أن ذكرنا أن الحديث عن العلة بدأ منذ وقت مبكر ؛ فقد قيل عن ابن إسحاق الحضرمي إنه : « أول من بعج النحو ومد القياس 341 » . ولما سئل الخليل بن أحمد الفراهيدى عن العلل التي يعتلّ بها في النحو عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك ؟ ، قال : « إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها ، وعرفت مواقع كلامها ، وقامت في عقولها علله ، وإن لم ينقل ذلك عنها ، وعلّلت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه ، فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست ، وإن لم يكن هناك علة غير ما ذكرت فالذي ذكرته محتمل أن يكون علة له . ومثلي في ذلك مثل حكيم دخل دارا محكمة البناء ، عجيبة النظم والأقسام ، وقد صحّت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة ؛ فكلما وقف هذا الرجل الداخل الدار على شئ منها قال : إنما فعل هذا هكذا لعلّة سنحت له وخطرت ، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار ، فإن سنحت لغيرى علة لما عللته من النحو هي أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت به 342 » . وقد علّق الزجاجي على قول الخليل ، قائلا فيما ينقله عنه السيوطي : « هذا كلام مستقيم وإنصاف من الخليل . وعلى هذه الأوجه الثلاثة مدار علل جميع النحو 343 » . فالخليل - هنا - يصوّر أن العرب تنطق على سجيتها وطباعها ، ثم يأتي الباحث بعد ذلك فيحاول تعليل ما ورد من الظواهر اللغوية . ومن المعروف - كما سبق القول - أن نشأة التعليل كانت استجابة لظروف وبواعث عربية وإسلامية معا ، دون تأثير خارجي غير عربى . . . ومن ثم فإن « على الباحث الحكيم أن يبحث عن الحكمة فيما يلتمس من ظواهر اللغة ، وألا يكتفى بالتقنين لهذه الظواهر فحسب ، ولعل نص الخليل بن أحمد يصور هذا الموقف من النحاة تصويرا دقيقا 344 » .